محمد بن وليد الطرطوشي

200

سراج الملوك

نفسه فرأى ما فيها من العجائب والتركيب ، ومنفعة كل عضو وتخصيصه ، إما بجلب نفع أو دفع ضر ، فأمعن نظره في عضو واحد مثلا ، وهو فمه ، فيرى في أوله أسنانا تشبه الفأس تصلح للقطع ، وفي آخره طواحين مضرسة تصلح للطحن ، وشدقين كأنهما ثفال « 1 » الرحى ، يمنعان أن ينهرق الطعام إلى الخارج ، ولسانا يرد ما انقلب من الطعام إليه على الطواحين ، ثم يلي ذلك بلعوم لازدراده بعد الطحن ، علم بأدنى تأمل أن هذه الخلقة ما انفعلت بنفسها اتفاقا ، بل هي مفتقرة على قصد قاصد ، وجعل جاعل . وعلى هذا النمط ، لو ذهبنا نذكر منفعة كل عضو ، لوقفت على العجب ، ولكن تركناه كراهية التطويل ، وعلى هذا المعنى نبّه الكتاب المهيمن « 2 » فقال تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] وفي هذه العبرة تستقل العقول بإثبات الصانع ، وتستغني عن النظر في الجواهر والأعراض « 3 » . فالعلم المفيد لإثبات الصانع في الشاهد : مثل البنّاء ، والنجّار والخيّاط ، وأشباههم ، بعد النظر في صنائعهم على اضطرار . والعلم المثبت للصانع سبحانه ، عند النظر في حدوث العالم ، علم استدلال ، اعتبارا للغائب بالشاهد ، إذ لا فرق في العقول بين صنعة وصنعة في اقتضاء صانع ، وإنما كان العلم في الشاهد ضروريا ، لأن الإنسان لم يزل يرى البنّاء يبني ، والخيّاط يخيط ، والنجّار ينجر الخشب ، ولم تر العقلاء القديم سبحانه يخلق ويخترع ، وإنما استفادوه من النظر في الشاهد . فإن قيل : فأي العلمين أقوى في النفوس ، وأثبت في العقول ؟ العلم بالصانع عند النظر في السرير واقتضائه للنجّار ؟ أم العلم بالإله عند النظر في السماوات والأرضين وما بينهما ؟ . فالجواب : أنّ هذا يستدعي تفصيلا وتدقيقا ، وليس هذا الكتاب موضوعا لذلك ، فحينئذ نعلم أن معه عقلا غريزيا ، ونسميه عاقلا ، ونوجه التكليف عليه ، وهو العقل التكليفي .

--> ( 1 ) الثفال : جلد يبسط تحت الرحى ، والثفال : حجر الرحى الأسفل . ( 2 ) القرآن الكريم . ( 3 ) الجواهر : ما قام بنفسه والأعراض : ما قام بغيره .